من معونة الرفاه إلى التنافس السياسي


فارس بريزات - 29 يوليو 2019

يُقدّم نظام تمويل الأحزاب المقترح فرصة ثمينة للأحزاب وللحكومة وللمواطنين للانتقال بالعمل السياسي من طورالرفاه الاجتماعي للأحزابإلى التنافس السياسي بينها في خدمة الصالح العام. النظام المعمول به الآن، يمنح جميع الأحزاب الراغبة بتلقي دعم حكومي مبلغا متساويا بنحو خمسين ألف دينار وهو ما ساعد على التكلس السياسي والعملياتي لكثير من هذه الأحزاب التي يراوح عددها حول الخمسين حزبا، ولم يخلق لديها حافزا للتنافس على موارد التمويل المتاحة من خلال العمل السياسي المنظم والبناء المؤسسي

لذلك، يُشكّل المُقترح الجديد الذي يُقدّم نحو مائة ألف دينار (حسب الحد الأعلى للسقوف الواردة في النظام) للحزب الذي يتبّع مؤشرات الأداء المرتبطة بالتمويل فرصة للأحزاب لتجويد أدائها المؤسسي. يعرف قادة الأحزاب والمهتمون بالعمل السياسي عموماً أن جميع استطلاعات الرأي العلمية تؤشر لوجود خلل بنيوي عميق في العلاقة بين الأحزاب والمواطنين والدولة عموماً. مسؤولية هذا الخلل تتوزع على جميع الأطراف المؤثرة في العملية السياسية وبدرجات متفاوتة

المواطنون هم مصدر شرعية التمثيل السياسي لأنهم، من المفترض، أن يفوضوا الأحزاب للدفاع عن مصالحهم التي يُفترض أن تكون مبلورة بشكل علمي ودقيق وتنعكس في برامج الأحزاب التي يُفترض أن تُنتخَب أو لا تُنتخَب على أساسها. الأغلبية الكبرى من هؤلاء المواطنين ترى الأحزاب بأنهاغير فعّالة، ولا تقدم بدائل سياسات لحل المشاكل العالقة التي يُعاني منها الناس. ولا يقتصر الأمر على هذا، بل إن معرفة الناس بالأحزاب في حدودها الدنيا بما في ذلك الأحزاب التقليدية التي تراجعت معرفة الناس بها خصوصا بين الأجيال الأصغر سنا. والاتجاه العام لدى المواطنين مقارنة بالتسعينيات هو معرفة وقناعة أقل بالاحزاب عموما. ويقيمون أداءها بأنه متواضع جداً وهو الأدنى مقارنة بمجلس النواب والحكومة والبلديات واللامركزية والمؤسسات المدنية الأُخرى

الحكومة، قدمت بدورها نظام التمويل وهو خطوة جيدة بالاتجاه الصحيح. ولكن الهدف الأساسي لكل حزب هو الوصول للسلطة من خلال الانتخابات الحرة والدورية. بينما يُشكل نظام التمويل المقترح حافزا تنافسيا ماليا لتجويد أداء الاحزاب وتوسيع انتشارها وإدماج الشباب والنساء ومكافأة الانجاز وتعميق مأسسة العمل الحزبي، يبقى الحافز السياسي هو الأهم. إذ لا يوجد اليوم أي نص دستوري أو قانوني مُلزِم بأن تُسَمّي الكتلة الأكبر في مجلس النواب رئيس الوزراء. هذا هو الحافز السياسي الذي يُحدث فرقا حقيقيا في مسيرة الاصلاح السياسي ويستجيب لما ينادي به جلالة الملك منذ عقدين. يتطلب هذا إجراء تعديل دستوري ينص على أن يُكلّف جلالة الملك الكتلة الأكبر في مجلس النواب بأن تُسَمّي رئيس الوزراء سواء من داخل أو خارج المجلس. وإذا ما قُيّضَ لهذا الطرح أن يرى النور ينبغي أن يتم التوافق بين جميع الأطراف السياسية من خلال مؤتمر وطني عام أو ميثاق على آلية ونسب توزير النواب لكي لا تنتهي التجربة كما انتهت التجربة في التسعينيات وإلى غير رجعة حتى الآن ولكي تنجح العملية السياسية بتجديد ذاتها.

من معونة الرفاه إلى التنافس السياسي
Articles

هل سيتغير موقف الرأي العام الأردني تجاه تركيا بعد تدخلها العسكري في شمال وشرق سورية؟

ينقسم الرأي العام الأردني نحو تركيا؛ مؤيدو تركيا يغضون الطرف عن تدخلها ويبررونه لها، ومعارضوها ينتقدون تدخلها ولم ينتقدوا تدخل إيران وروسيا قبل ذلك. بعض من شركاء تركيا الاقليميين بين 2011-2017 للإطاحة بالأسد، ينتقدونها اليوم بشدة. وبين هؤلاء وأولئك من اللاعبين السياسيين المحترفين يتشكل ويتغير الرأي العام متأثراً بحاصل جمع عواطفه وعقلانيته ولاأباليته وحماسه وتردده.

كشفت دراسة استطلاعية أعدها مركز نماء لاستطلاع الرأي العام بالتعاون مع مؤسسة كونراد اديناور، تُنشر اليوم، عدة مؤشرات تعتبر مرتكزات أولية للقياس عليها فيما بعد للوقوف على التحولات التي قد يشهدها الرأي العام الأردني في المستقبل القريب نحو تركيا. إذ يصف 96 % العلاقات السياسية بين الأردن وتركيا بأنها جيدة (47 % جيدة جداً، 49 % جيدة إلى حدما).

نحو ثلاثة ارباع (73 %) مع تعزيز العلاقات السياسية مع تركيا، الأعلى بين 14 بلدا، تتلوها قطر والامارات 62 % لكل منهما. وأعلى بنحو 20 نقطة من الولايات المتحدة، و17 % من السعودية.

أما على صعيد العلاقات العسكرية والأمنية فإن 63 % مع تعزيزها مع تركيا، تليها بريطانيا 53 %، و قطر والامارات 52 % لكل منهما. ويبدو الفرق التفضيلي لتركيا هنا جلياً.

وحلت تركيا في المرتبة الثانية بعد الأردن من حيث رغبة الأردنيين بأن تلعب دورا أكبر في الاقليم، إذ يرغب 90 % من الأردنيين ان يلعب الأردن دورا أكبر، 89 % لتركيا، 79 % للامارات، 78 % للسعودية، 76 % لقطر، 75 % لكل من الولايات المتحدة والصين وبريطانيا،

و74 % لمصر.

ويبرر الذين يرغبون ان تلعب تركيا دورا أكبر في المنطقة ذلك بالأسباب التالية؛ قوتها الاقتصادية 31 %، دولة مسلمة 15 %، قوية 14 %، بسبب أردوغان وحكومته 10 %، 7 % بسبب علاقاتها الجيدة، 4 % قوتها العسكرية.

أما على صعيد الدعم الاقتصادي للأردن فذكرها 1.6 % فقط بأنها أكبر داعم اقتصادي للأردن، وسبقتها بذلك السعودية 30 %، والولايات المتحدة، ودول الخليج الأخرى. ووصفها فقط 6 % بأنها أقرب حليف للأردن. مقارنة بنحو 25 % للسعودية، 22 % الولايات المتحدة، 9 % بريطانيا.

إلا ان رغبة الأردنيين بالتعاون المستقبلي وضعت تركيا في المرتبة الأولى للتعاون بنسبة 21 %، تلتها السعودية 17 %، ثم الولايات المتحدة 13 %.

على الرغم من ذلك، أفاد 9 % بأن الأردن تتشارك مصالحه في السياسة الخارجية مع تركيا من بين الدول الاجنبية غير العربية، وتأتي تركيا في المرتبة الثالثة بعد الولايات المتحدة

50 %، وبريطانيا 13 %، وحلت الصين بعدها بنسبة 5 %.

ولا يذكر الرأي العام الأردني تركيا كمصدر تهديد لأمن المنطقة، على العكس من اسرائيل وايران وهما قوتان منافستان لها ومتنافستان فيما بينهما. هل تحتفظ تركيا بهذا الموقع في الرأي العام الأردني بعد التدخل في سورية؟ ربما. وللأسباب التالية: لا يوجد إجماع على رفض تدخلها في سورية، يرى البعض أن تدخلها الحالي ليس ضد سورية بقدر ما هو لمنع الأكراد من الاستقلال الذاتي كما في العراق مما يُهدد أمنها في مناطق شرق وجنوب تركيا، ما تزال هي الوجهة المفضلة للاستثماراتالمهاجرةمن الأردن بين الدول غير العربية، يتمتع اردوغان بشعبية في الرأي العام العربي لم تتزعزع كثيراً رغم كل التغيرات التي حصلت له خلال السنوات القليلة الماضية، وما تزال وجهة سياحية مهمة للأردنيين وإنتاجها الفني يغزو شاشات غرف جلوس الأردنيين. ولنرَ ما يجلب قادم الايام من أخبار.

فارس بريزات - تشرين الأول 2019

يستحق المعلمون زيادة وامتيازات أكثر مما يتلقونه الآن. وهذا الاستحقاق له أبعاد أخلاقية قيمية وأخرى اقتصادية بحتة. هؤلاء الذين علمونا في المدارس الحكومية في المناطق الأقل تنمية والأكثر تهميشاً وتحمّلوا معنا عناء الشح في كل شيء حتى في الدفاتر والاقلام. لم يكونوا يوما شحيحي الاخلاق ولا الكرامة ولا الالتزام برسالتهم. واسونا بفقرنا و”قلة حيلتنا” وعلمونا أن الإرادة والعمل الجاد والعزيمة والاصرار هي روافع النجاح. رحم الله الاستاذ يوسف الفقهاء مدرس الرياضيات الألمعي في مدرسة لب الثانوية للبنين الذي يذهب لطلبته للبيت إذا غابوا عن الدرس لأي سبب كان. كان يقوم بذلك لأنه يرى في طلبته مشاريع نجاح وعليه أن يحفزّهم. وأدام الصحة والعافية على الاساتذة الأفاضل علي السمارات ومحمد الخضور ومحمد مشرف ومفلح البريزات وزايد السمارات ويونس العداد ومحمود الحجيج وأمين الشورة وغيرهم الكثيرين من الذين تفانوا من أجلنا في لب ومليح ومن أجل غيرنا في أماكن أخرى

مع دخول إضراب المعلمين اسبوعه الثالث يكون 72 % من طلبة المدارس خسروا حتى اليوم 13 يوما تدريسيا، مقابل انتظام 28 % من الطلبة في المدارس الخاصة. ويضع هذا الحال طلبة المدارس الحكومية، وهم عموماً الأقل اقتداراً، في موضع أضعف مما كانوا عليه في التنافس مما يمنح ميزة إضافية لطلبة المدارس الخاصة، الميسورين والمقتدرين عموماً كذلك، على حساب أقرانهم. ولهذا تداعيات سياسية واجتماعية واقتصادية يدركها أساتذتنا الأجلاء وتقدرها نقابة المعلمين كما تقدرها الدولة ومؤسساتها المتعددة. وتشكل هذه التداعيات مصدر قلق، ستظهر نتائجه مع نهاية العام الدراسي. وسيدفع الكل ثمنه
لنعترف جميعاً أن للمعلم حقا. وحقه واجب علينا جميعاً بلا استثناء وكرامته من كرامة كل شخص. ولنعترف كذلك أن السياسات العامة في مجال التعليم المدرسي والجامعي عانت من تشوهات أدخلتها المصالح الخاصة “لبعض” من تولى زمام المسؤولية في التربية والتعليم والتعليم العالي على مر العقود الثلاثة الأخيرة. هذا يحتاج لإصلاح تدريجي ومدروس، وفي بعض مفاصله، لإصلاح جذري وسريع
تُحسن النقابة صنعاً بأن تبادر ليس بحل الأزمة القائمة الآن فقط، وإنما بمبادرة لإصلاح إداري شامل في القطاع العام يأخذ “تردي المالية العامة” بعين الاعتبار ويُدخل التقييم الجاد على جميع العاملين في القطاع العام. ولا يُضير النقابة ان تلتقي مع الحكومة في منتصف الطريق ويعود الطلبة إلى غرفهم الصفية. بذلك تكون النقابة حققت هدفا إصلاحيا وطنيا وليس قطاعيا فقط. وهذا يعني أن تقبل الحكومة وتعترف بمبدأ الزيادة للمعلمين والبدء بجدولة يُتفق عليها من السنة المالية القادمة او التي تليها بما يحفظ كرامة المعلم وهيبة الحكومة وتراعي مصالح الطلبة واهاليهم والوطن
ربما كان تقدير قادة نقابة المعلمين أن الاضراب سيستمر لعدة أيام فقط وسيتم التوصل إلى تسوية مع الحكومة. ومع استمرار الاضراب، يخسر المعلمون من رصيدهم، ولكنه لا ينضب، من المؤيدين لتحسين أوضاعهم المعيشية، وهم كثر، بسبب الآثار السلبية المترتبة على الطلبة وأهاليهم بشكل أساسي. الكل خاسر من استمرار الاضراب وبتعليقه يكسب الجميع وتبدأ عملية إصلاح إداري تُسجل المبادرة بها لنقابة المعلمين والاستجابة للحكومة.

 

فارس بريزات- 23 أيلول 2019
نحتاج لجهود كبيرة جداً واستثنائية لتوطين رأس المال الأردني في مشاريع داخل الأردن في ظل حالة التشاؤم التي تطغى على المزاج العام خصوصاً بين المستثمرين المحليين والمغتربين. خلال السنوات القليلة الماضية انتشرت مؤشرات مُقلقة تتعلق برغبة مستثمرين في الانتقال لدول مجاورة، وتقليص الاستثمارات في الأردن، وبدأ عدد منهم في البحث عن جوازات سفر أخرى في بلدان الكثير منها ليس أفضل حالاً من الأردن ولا توجد لديها المنعة السياسية و الاقتصادية التي بناها الأردن على مر العقود الماضية .وعلى الرغم من هذه المؤشرات السلبية،  إلا أن المستثمرين الأردنيين داخل وخارج الأردن يبنون مشاريع في قطاعات واعدة مثل السياحة والتكنولوجيا. وبينما يخرج البعض من السوق، يدخل آخرون وتستمر العجلة بالدوران برغم التحديات البيروقراطية غير المبررة وغير المقبولة والتي سنتناولها بالتفصيل لاحقاً.في ظل هذه الأجواء يُعقد اليوم في عمان المؤتمر السابع لرجال الأعمال والمغتربين الأردنيين في الخارج بتنظيم من جمعية رجال الأعمال وهيئة الاستثمار وجمعية سيدات ورجال الأعمال الأردنيين المغتربين. ويهدف المؤتمر إلى تعريف المغتربيين بالبيئة الاستثمارية وأبرز المزايا الجاذبة للاستثمار في المملكة وتسليط الضوء على الاستقرار السياسي والاقتصادي والنقدي على الرغم من جميع التحديات الداخلية الإقليمية. ويهدف كذلك لإطلاع المغتربين على أهم الفرص الاستثمارية المتاحة وأبرز الحوافز المقدمة إلى المستثمر الأردني المحلي ولمن يرغب بتوطين رأسماله بين أهله في الأردن ويخدم اقتصاده بدل أن يلعنه ويهجره.المؤتمر ليس تجميلياً، وسيناقش التحديات التي يواجهها المستثمر المحلي والمغترب فيما يتعلق بالاستثمار في الأردن. وسيحاول المؤتمر مناقشة وإيجاد آليات فعّالة للتصدي لهذه التحديات وهي ارتفاع كلف الانتاج خصوصا كلفة الطاقة عموما والكهرباء بشكل خاص، عدم الاستقرار التشريعي، البيروقراطية والفساد الإداري خصوصاً ذلك المتعلق بامتناع الموظف العام عن القيام بعمله لأسباب غير مفهومة إطلاقاً. يأتي هذا لخلق الفرص وبحث السُبل الكفيلة بمنح المغترب الحافز لإعادة توطين رأس ماله في المشاريع الاستثمارية والخدمية والإنتاحية التي تساهم في خلق فرص عمل جديدة ودعم المسيرة التنموية خصوصاً في المناطق الأقل تنمية والأكثر غضباً والتي تُعبّر عن خيبة أملها بالسياسات الاقتصادية والتنموية العامة باستمرار وبطرق سلمية وحضارية.إذا كان الأردني ناجحا خارج الأردن، وهناك قصص نجاح مبهرة لأردنيين داخل الأردن، وتوسعوا من الأردن للعالم، فإنه من المفيد كذلك أن يستمع المؤتمرون والأردنيون لقصص نجاح أبنائنا في الأعمال في الخارج والتي حققت مشاريعهم نجاحا في مختلف المجالات والقطاعات، وذلك للاستفادة من هذه التجارب لتحفيز الشباب الذين يواجهون عوائق التمويل والبيروقراطية. ويبدؤون بالبحث عن هجرة ووظائف مضمونة لا تسمن ولا تغني من جوع.يبقى أن تقوم الحكومة بما عليها بشكل أفضل من حيث إتاحة فرص تمويلية جادة وللمشاريع الجادة فقط للمستثمرين المحليين، وتنشيط الهيئات الدبلوماسية من خلال وضع نظام محاسبة لكل سفارة وملحقيها وتحديد مصادر الخلل والتعطيل للاستثمار ومساءلة المقصرين. دون هذه والثواب والعقاب سنبقى نعاني ونعيد الحديث عن نفس التحديات فيما يزداد التشاؤم وتقل الفرص ويهاجر المزيد من رأس مالنا البشري والمالي.
فارس بريزات - 5 أغسطس 2019

يُقدّم نظام تمويل الأحزاب المقترح فرصة ثمينة للأحزاب وللحكومة وللمواطنين للانتقال بالعمل السياسي من طورالرفاه الاجتماعي للأحزابإلى التنافس السياسي بينها في خدمة الصالح العام. النظام المعمول به الآن، يمنح جميع الأحزاب الراغبة بتلقي دعم حكومي مبلغا متساويا بنحو خمسين ألف دينار وهو ما ساعد على التكلس السياسي والعملياتي لكثير من هذه الأحزاب التي يراوح عددها حول الخمسين حزبا، ولم يخلق لديها حافزا للتنافس على موارد التمويل المتاحة من خلال العمل السياسي المنظم والبناء المؤسسي

لذلك، يُشكّل المُقترح الجديد الذي يُقدّم نحو مائة ألف دينار (حسب الحد الأعلى للسقوف الواردة في النظام) للحزب الذي يتبّع مؤشرات الأداء المرتبطة بالتمويل فرصة للأحزاب لتجويد أدائها المؤسسي. يعرف قادة الأحزاب والمهتمون بالعمل السياسي عموماً أن جميع استطلاعات الرأي العلمية تؤشر لوجود خلل بنيوي عميق في العلاقة بين الأحزاب والمواطنين والدولة عموماً. مسؤولية هذا الخلل تتوزع على جميع الأطراف المؤثرة في العملية السياسية وبدرجات متفاوتة

المواطنون هم مصدر شرعية التمثيل السياسي لأنهم، من المفترض، أن يفوضوا الأحزاب للدفاع عن مصالحهم التي يُفترض أن تكون مبلورة بشكل علمي ودقيق وتنعكس في برامج الأحزاب التي يُفترض أن تُنتخَب أو لا تُنتخَب على أساسها. الأغلبية الكبرى من هؤلاء المواطنين ترى الأحزاب بأنهاغير فعّالة، ولا تقدم بدائل سياسات لحل المشاكل العالقة التي يُعاني منها الناس. ولا يقتصر الأمر على هذا، بل إن معرفة الناس بالأحزاب في حدودها الدنيا بما في ذلك الأحزاب التقليدية التي تراجعت معرفة الناس بها خصوصا بين الأجيال الأصغر سنا. والاتجاه العام لدى المواطنين مقارنة بالتسعينيات هو معرفة وقناعة أقل بالاحزاب عموما. ويقيمون أداءها بأنه متواضع جداً وهو الأدنى مقارنة بمجلس النواب والحكومة والبلديات واللامركزية والمؤسسات المدنية الأُخرى

الحكومة، قدمت بدورها نظام التمويل وهو خطوة جيدة بالاتجاه الصحيح. ولكن الهدف الأساسي لكل حزب هو الوصول للسلطة من خلال الانتخابات الحرة والدورية. بينما يُشكل نظام التمويل المقترح حافزا تنافسيا ماليا لتجويد أداء الاحزاب وتوسيع انتشارها وإدماج الشباب والنساء ومكافأة الانجاز وتعميق مأسسة العمل الحزبي، يبقى الحافز السياسي هو الأهم. إذ لا يوجد اليوم أي نص دستوري أو قانوني مُلزِم بأن تُسَمّي الكتلة الأكبر في مجلس النواب رئيس الوزراء. هذا هو الحافز السياسي الذي يُحدث فرقا حقيقيا في مسيرة الاصلاح السياسي ويستجيب لما ينادي به جلالة الملك منذ عقدين. يتطلب هذا إجراء تعديل دستوري ينص على أن يُكلّف جلالة الملك الكتلة الأكبر في مجلس النواب بأن تُسَمّي رئيس الوزراء سواء من داخل أو خارج المجلس. وإذا ما قُيّضَ لهذا الطرح أن يرى النور ينبغي أن يتم التوافق بين جميع الأطراف السياسية من خلال مؤتمر وطني عام أو ميثاق على آلية ونسب توزير النواب لكي لا تنتهي التجربة كما انتهت التجربة في التسعينيات وإلى غير رجعة حتى الآن ولكي تنجح العملية السياسية بتجديد ذاتها.

فارس بريزات - 29 يوليو 2019

من سينتصر ومن سيدفع فاتورة معركة الفوترة؟ ولماذا تقف نقابة المحامين ضد الفوترة للخدمات التي يقدمها المحامون؟ ولماذا يُمانع المهنيون عموماً فوترة خدماتهم؟ وهل سينتصرون على الحكومة في هذه المعركة أم أن الحكومة ستنجح في المرور من المعركة بتقديم تنازلات كالتي قدمتها للنقابات والاتكاء على مؤسسات أخرى إبّان تمرير قانون الضريبة نهايةالعام الماضي؟ 

توازن القوى بين الطرفين يُحتم على الحكومة تقديم تنازلات وإذا ما قدمت الحكومة تنازلات تكون قد أخلّت بتعهداتها العديدة بتوزيع العبء الضريبي بشكل أكثر عدلاً. ولعل احد أسباب صلابة موقف المحامين، على الرغم من أنه غير محق بطلب الاستثناء والمعاملة التفضيلية، هو قناعة اغلبية الأردنيين بعدم قدرة الحكومة على توزيع العبء الضريبي بشكل أكثر عدلاً من خلال قانون الضريبة الذي تم إقراره نهاية العام 2018.

البيئة التي تُدار بها المعركة غير مواتية للحكومة. والأهم بها هو ان نحو ثلثي الأردنيين يعتقدون بأن الحكومة لن تكون قادرة على توزيع العبء الضريبي بشكل اكثر عدلاً بين المواطنين (للتنويه البيانات تعود لشهر ايلول 2018). وترتفع نسبة هؤلاء كلما زاد العمر والتعليم والدخل. أي إن أصحاب الخبرة والعلم والمال لديهم موقف أقل قناعة بأن الحكومة ستوزع العبءالضريبي بشكل أكثر عدلاً حسب دراسة ميدانية على عينة ممثلة من 1247 مستجيبا نُفذت في ايلول 2018 من قبل نماء للاستشارات الاستراتيجية. ولا نعرف بشكل علمي إذا تغير هذا الموقف منذ ذلك الوقت ولكن التوقع، قياساً على مؤشرات الرأي العام والنتائج المالية المنشورة من قبل وزارة المالية والبنك المركزي للثلث الأول من العام 2019، هو الرأي العام لم يتغير كثيراً حول هذا الموضوع

وعلى الرغم من أن نسبة الأردنيين الراضين عن الخدمات العامة مثل النظافة في الاحياء التي يعيشون بها والشوارع في مناطق سكناهم، والنقل، وخدمات الصحة والتعليم تبلغ نحو النصف فقط إلا نسبة الأردنيين الذين يرفضون فرض مزيد من الضرائب لتحسين هذه الخدمات بلغت 83 %، فيما وافق على ذلك 13 % فقط. وترتفع نسبة الرافضين كلما ازداد مستوى التعليم والدخل. إذ يرفض الضرائب 80 % من ذوي التعليم الأقل من ثانوي و88 % من ذوي التعليم الأعلى من ثانوي. ويرفضها كذلك 82 % ممن تقع دخول أسرهم الشهرية تحت 400 دينار، و87 % ممن تتجاوز دخولهم 800 دينار شهرياً. ويوافق 56 % من الأردنيين على العبارة التي تبناها دولة الرئيس الرزازان الهدف من الضريبة هو الأخذ من الغني وإعطاء الفقير، فيما يعارضها 40 %، وتنخفض نسبة الذين يوافقون على المقولة كلما ارتفع التعليم والدخل والعمر كذلك

يأتي رفض نقابة المحامين لتطبيق نظام الفوترة في ظل رأي عام يرفض بغالبيته مزيدا من الضرائب. ويُعبّر المحامون عن فئات المتعلمين وذوي الدخل المرتفع والأكثر خبرة في المجتمع. وفي ظل عدم تحسن الاقتصاد وضعف ثقة الأردنيين بالحكومة فإن تعبئة الرأي العام تميل لصالح نقابة المحامين كفعل احتجاجي وليس قناعة بصحة موقف المحامين. وبالمقابل تستطيع الحكومة تصوير النقابات الرافضة للفوترة على أنها تهدف للتهرب الضريبي وهذا يُنافي الهدف الذي تسعى الحكومة لتحقيقه، حسب الرئيس،الأخذ من الأغنياء وإعطاء الفقراء”. وإذا ما تمكنت نقابة المحامين من بناء تحالف نقابي رافض للفوترة، فإن التصور العام لدى ثلثي الأردنيين حول عدم قدرة الحكومة على توزيع العبء الضريبي بشكل أكثر عدلاً سيزداد مما يُقلّل من ثقة المواطنين بالحكومة بشكل أعمق وعندها سترتفع كذلك نسبة الأردنيين الذين يعتقدون بأن البلد تُدار لمصلحة الأقلية وليس الأكثرية من مواطنيها.

فارس بريزات - 22 يوليو 2019